سيد محمد طنطاوي
22
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وذلك لأن المكذبين في كل زمان ومكان يتشابهون في الطباع الذميمة ، وفي الأخلاق القبيحة : كمال قال - تعالى - كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ . أَتَواصَوْا بِه ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ « 1 » . والجار والمجرور * ( مِنْ قَبْلِكَ ) * متعلق بأرسلنا ، أو بمحذوف وقع نعتا لمفعوله المحذوف . أي : ولقد أرسلنا رسلا كائنة من قبلك . وإضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى صفته عند بعض النحاة ، أو من حذف الموصوف عند البعض الآخر ، أي شيع الأمم الأولين . وعبر بقوله - سبحانه - * ( إِلَّا كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ ) * للإشعار بأن الاستهزاء بالرسل كان طبيعة فيهم - كما يومئ إليه لفظ كان ، وأنه متكرر منهم - كما يفيده التعبير بالفعل المضارع - والكاف في قوله * ( كَذلِكَ نَسْلُكُه . . ) * للتشبيه ، واسم الإشارة « ذلك » يعود إلى السلك المأخوذ من نسلكه . والسلك مصدر سلك - من باب نصر - وهو إدخال الشيء في الشيء ، كإدخال الخيط في المخيط . والضمير المنصوب في « نسلكه » يعود إلى القرآن الكريم الذي سبق الحديث عنه . والمراد بالمجرمين في قوله * ( فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) * مشركو قريش ومن لف لفهم . والمعنى : كما سلكنا كتب الرسل السابقين في قلوب أولئك المستهزئين نسلك القرآن في قلوب هؤلاء المجرمين من قومك يا محمد ، بأن نجعلهم يسمعونه ويفهمونه ويدركون خصائصه دون أن يستقر في قلوبهم استقرار تصديق وإذعان لاستيلاء الجحود والعناد والحسد عليهم . وقوله * ( لا يُؤْمِنُونَ بِه ) * بيان للسلك المشبه به ، أو حال من المجرمين . أي : أدخلنا القرآن في قلوبهم ففهموه ، ولكنهم لا يؤمنون به عنادا وجحودا . وعلى هذا التفسير يكون الضمير في * ( نَسْلُكُه ) * وفي * ( بِه ) * يعودان إلى القرآن الكريم ، الذي سبق الحديث عنه في قوله - تعالى - * ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ ) * . ومن المفسرين الذين ذكروا هذا الوجه ولم يذكروا سواه صاحب الكشاف ، فقد قال : « والضمير في قوله * ( نَسْلُكُه ) * ، للذكر : أي : مثل ذلك السلك ونحوه نسلك الذكر
--> ( 1 ) سورة الذاريات الآيتان 52 ، 53 .